Search This Blog

Wednesday, October 12, 2011

العراف


العراف
حديثٌ هامسٌ بين سكان القريةِ على بابِ أحد المنازل، وأنينُ أمٍ تنتظرُ بفارغ الصبرِ خروجَ "العراف" من كهفهِ ليطمأنها بأنَّ نورَ عينيها مازالت على قيدِ الحياةِ ولم تمت كما مات فتيانٌ وفتياتٌ كثر، خرجَ "العراف" وعلى وجههِ تلك النظرة،  بأنَّ ساعتها قد حانت ولا مجال للعبثِ مع القدر، ذلكَ العرافُ الذكيُ الهرم، ترى في تقاسيمِ وجهِهِ مدناً كاملةً، وفي عينيهِ قراءةٌ للموت، فأبنتكِ ماتت بلعنةٍ ولعنةٍ مرهَّ عمرٌ طويلٌ عليها، أمسكَ بيدهِ عكازاً مهترئاً، وصلَ الى شجرةِ سدرٍ كبيرةَ الجذع، ضربَ على جذعها وقال: أنتم ترون جذعاً وأنا أرى وجوهَ موتى ماتوا بلعنةِ الحبِ، سوفَ تسألونني كيفَ للحبِ أن يقتلَ وكيفَ للشجرةِ أن تستمدَّ تلكّ اللعنةَ لتقتل، ففي يومٍ وعند هذه الشجرةِ وقفَ الجنونُ ليلعبَ لعبةَ "الأستغماية" أخذَ في العدِ، استطاعت "الرقةُ" الإختباءَ في وجهِ القمر، في حينِ "الحنان" إختبأ في عمقِ البحر، وأخذ "الكذبَ" محلهُ في كوم قمامةٍ، واحتارَ الحبُ أينَ يختبأ! وصلَ "الجنونُ" في العدِ لرقمِ "99" حتى وجدَ الحبَ مكانهُ بين الزهور، أخذَ الجنونُ في البحثِ عنهم، وجدهم واحداً تلوَ الآخر عدا الحبَ لم يجده، فهمسَ الحسدُ في أذنِ الجنونِ بأن الحبَ بين الزهور، اتجه الجنونُ ومعهُ شوكةً، أخذَ في نقرها حتى خرجَ الحبُ ودمهُ يسيل وقد فقدَ نظرهُ ليسألَ لما ذلك! هنا قيل أنَّ "الحبَ أعمى" والحبيب يردد "أحبكَ بجنون"، والحبَ الذي أصابَ "جميلٌ" و"جميلة" كان كالمرضِ لا شفاءَ لهُ، أرادها بكلِ عطافتهِ وحنانهِ وبقلةِ حيلتهِ وسوءَ كذبهِ، أرادها لنفسهِ كتحدٍ لجنونهِ وهيَ أرادتهُ تحدياً لحبها، وليصلَ لها كان لابدَّ من عبورِ جسرٍ طويلٍ لينالَ رضا الموافقة، فقطعَ هذا الجسرَ حبالهُ وأوقعهُ ليجعلهُ متمسكاً بخيطٍ رفيعٍ، لتصلَ الى "جميلة" أكمل هذهِ الخيوط واعبر حتى تصلَ "تاج محل" هناكَ ثوبٌ قرمزيٌ هرمزيٌ ينقصهُ ذلكَ الخيط، فيأخذ الكذبُ دورهُ في صنعِ قبرِ "لجميلة" تحتَ شجرةِ السدرِ ليكتبَ عليها "دفنت عنها فابتعد عنها"، وصلَ جميلٌ وبيدهِ أجملَ ثوبٍ في العالمِ غطي بهِ الحبيبه، وجلسَ حارساً قبرها تحتَ ظلها مانعاً أحداً من الإقترابِ منها، فكلُ ما عليها وما حولَها هو للحبيبة، مالكم يا بشر فدمُ جميلةِ يروي هذه الشجرةَ لتصلَ الى فروعها وثمارها، قالو له "لا وجودَ لقبرِ جميلة! فهي مازالت تتنهدُ بإسمكَ"، سارَ على أقدامهِ يرددُ موسيقى الجفافَ في فمهِ، حتى وصلَ وروى بإسمها، فاسمكِ للناسِ هو فقط "جميلة" أما بالنسبةِ لي فالجيمُ "جوفُ قلبي" والميمُ "مِلحُ حياتي" والياءُ مناجاتي بقولي "ياربي" واللامُ "لساني في مناداةِ عشيقتي" والتاءُ المربوطةُ هي التي ربطتني بها طوالَ حياتي، ليقرِرَ الجسرَ هذهَ المرةَ بأن يقطعَ عليهِ كلَّ الحبال، ولم يعرف بأنَ جنونَ الحبِ لا خلاص منه، فحملَ جميلة وفي نفسهِ وعيونهِ وملمسَ يديهِ وشفاههِ حباً لا ينتهي، وشجرةَ السدرِ شاهدةً على رذيلةَ الحبِ وشاهدةً على امتزاجِ الجنونِ بالحبِ والرغبةِ والعشقِ وشاهدةً على موتِ الحبِ تحتَ جذعها، فالسدرُ عرفَ معنى الحبَ الحقيقي وزرعهُ بين أوراقهِ، وعقابُ من يقترب وهوَ يحملُ في ثناياه كذباً أو حقداً أو كراهيةً  "الموت" ، " فالموتُ أحرمُ" من أن يُقطعَ من أغصانها، والحبُ الحقيقيُ متبادل، أرويها حباً تقدمُ لك ثمارهُ، أرويها كذاباً فتقدم لكَ لعنةَ الموت، بعكازهِ المهترئ، أخذَ نفسهُ واختفى "العرافُ" عن القريةِ تماماً ".
 قيلَ بأنهُ لم يجد متسعاً من الحب، وإن بقيَ لقضى عمرهُ في قراءةِ وجوهٍ ميتةٍ لم تعرف الحب، ولكن حاولت أن تتذاكى عليهِ لتقطفَ منه، وظلت الشجرةُ الملعونةُ كما أسماها أهلُ القريةِ، ولم يدركوا بأنها وجدت وبيقت حتى الآن بسببِ الحبِ وليس اللعنة.   

1 comment: